محمد بن زكريا الرازي
278
منافع الأغذية ودفع مضارها
ويملس ، ويمنع الحريف والمالح والمر والعفص من شدة أفعالهن . والعفص يبرد باعتدال ، ويصلب ، ويخشن ، ويقوي ما طعمه مثل العفص ، ويعقد ، ويعقل ، ويغلظ . فهذه أفعال الأجرام ذوات الطعوم المفردة ، فإذا تركبت أفعالها بحسب ذلك . في فعل كل واحد من الشراب المسكر والماء في الأبدان وقياس كل واحد منهما إلى الآخر كل شراب مسكر فإنه بقياسه إلى الماء مسخن للبدن ، مجفف له ، هاضم للطعام ، مجود للهضم ، مخصب للبدن إذا شرب على طعام كثير الغذاء ، محلل للنفخ ، منفذ للغذاء ، محسن للون ، زائد في الدم والمرتين الصفراء والسوداء ، مضرّ بالعصب والدماغ ، سريع إلى امتلاء البدن ، مكثر للبخار الحار فيه ، معين على الباه ، مكسب جلدا وقوة ، مدرّ للبول ، مسخن للكلى والمثانة والكبد والمعدة . وكل ماء هو بقياسه إلى الشراب المسكر مبرد للبدن ، مرطب له ، نافع للمحومين وأصحاب الأمزجة الحارة ، قليل المضرّة بالدماغ والعصب ، مبرد للكبد والمعدة ، زائد في البلغم ، منفخ ، مهيج للرياح ، كاسر من شهوة الباه ، مبلد للهضوم ، مانع للفضول أن تبرز وتندفع . في أن الحمية الدائمة في حال الصحة والتقلل من الأغذية والاستكثار والمبادرة إلى الأدوية ضارّ منهك للبدن إن الحمية المفرطة الدائمة في حال الصحة ، والامتناع من الشهوات ، والتوفير على البدن من الغذاء مقدار حاجته ، ينهك البدن ، ويقل لحمه ودمه وشحمه ومخه والأبخرة الحارة الرطبة فيه التي هي مركب النفس . فيضعف لذلك جميع الحركات النفسانية ، ويسرع لقلة الدم ورداءته أكثر الأمراض إلى البدن . ولقلة الدم وضعفه وقلة الروح ، يعدم أو يعسر نضج الأمراض وتحللها ، ولا سيّما إن بادر صاحب هذا التدبير إلى الأدوية واستكثر منها . فإنه عند ذلك لا يبقى البدن على هذا التدبير كثير بقاء ، ويبقى ما بقي بسوء حال ضعيفا مصفارا . ومن أجل ذلك ، ينبغي أن يتّقى هذا الباب ، ولا تؤخذ الأدوية إلّا عند الحاجة ،